عرض مشاركة واحدة
قديم 03-04-2009, 03:04 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الوافـــــي
عضو جديد
 
الصورة الرمزية الوافـــــي
 

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 20
تـاريخ التسجيـل : Jan 2009
الـــــدولـــــــــــة : السعودية
المشاركـــــــات : 4,599 [+]
آخــر تواجــــــــد : 01-15-2010(05:53 PM)
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : الوافـــــي is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

الوافـــــي غير متواجد حالياً
 
آخـر مواضيعي


إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
الوافـــــي is on a distinguished road

 

 

افتراضي ( حب الأوطان ) للشيخ / عبدالرحمن السديس ...!!!

 

حب الأوطان



خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمكة المكرمة
بتاريخ : 1- 2-1426هـ




الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، سبحانه له الحمد في الآخرة والأولى،

يا ربِّ حمدًا ليس غيرك يُحمدُ ... يا مَن له كل الخلائق تصمدُ

من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فقد غوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عالم السر والنجوى، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده المصطفى ورسوله المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله الشرفاء وصحبه النجباء، والتابعين أولي النهى، ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد:

فأوصيكم ـ عبادَ الله ـ ونفسي بتقوَى الله عزّ وجلّ، فإنها وصيّةٌ لي ولكم جامعة، وموعِظة لأولي الألباب موقِظة نافِعة، وأحثّكم على اغتنامِها فإنَّ الأوقات سيوفٌ قاطِعة، والمنايا سِهامٌ في كلِّ آنٍ واقعة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران:102].
أيّها المؤمنون، في عالَمٍ تسوده الأوضاع المضطَرِبة وفي زمنٍ تعصِف به الأحوال الملتَهِبة يحتاج النّاسُ مع ثباتهم على ثوابِتِهم إلى مِظلَّة آمنَة تحمي تلك الثوابتَ وبيئةٍ صالحة ترعَى الأصول والمبادِئ، وهل يُرَى الغريبُ المتنقِّل قادرًا على بناءِ مقدَّراتٍ وإنماءِ مكتسبات، فضلاً عن تحقيقِ أمجاد وصُنع حضارات؟!

ما مِن غريبٍ وإن أبدى تجلُّدَه ... إلا سيذكرُ بعدَ الغُربَة الوطنَا

إخوةَ الإسلام، المتأمِّلُ في تأريخِ الأمَم والمجتمعات وأحوالِ الشّعوب والحضارات يجِد أنها لم تكن لتقدِّمَ حضاراتها للعالَم إلاّ من خِلال بلادٍ وكياناتٍ نمت وترعرَعَت فيها تلك المثُلُ والمبادئ، وأرضٍ وديارٍ انطلقت منها تلك القِيَم والثوابت؛ إذ لا قيمةَ للمرء فضلاً عن حضارةٍ إلا بوطنٍ يؤويهِ وبلادٍ تحتَويه، ولذلك فقد جُبِلت النّفوس السّليمَة على حُبِّ بلادِها، واستقرَّت الفِطر المستقيمة على النّزوع إلى ديارِها.
حسبُ الغريب من الدّنيا ندامَتُه عَضُّ الأنامِل من شَوقٍ إلى الوَطَن
بل إنَّ الطيورَ لتحنّ إلى أوكارِها، والبهائمَ العجماواتِ لتحافِظ على زرائبِها، غريزةً وجبِلَّة وفطرةً، فسبحان الذي أعطَى كلَّ شيءٍ خَلقَه ثمّ هدى.
معاشِرَ المسلمين، وهذا الأمرُ الفطريّ جاءت الشريعة الغرّاء بتقريره والعناية به بل والمحافظةِ عليه، يقول الله عزّ وجلّ: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ[النساء:66]، فجعل سبحانَه الإخراجَ مِن الدّيار بإزاءِ القتل، وهو بمفهومِه أنَّ الإبقاءَ في الديار عديلُ الحياةِ، ويقول سبحانه: وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا[البقرة:246]، ويقول تقدَّست أسماؤه: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا[الحشر:3]، فقرن سبحانه القتلَ بالجلاءِ عن الدّيار، وهذا رسول الله يُعلِن عن حُبِّه لوطَنِه مكّة، وهو يغادِرها مهاجرًا إلى المدينة فيقول وهو واقفٌ بالحَزوَرَة: ((والله، إنّكِ لأحَبّ البقاعِ إلى الله وأحبّ البقاع إليَّ، ولولا أني أُخرِجتُ منك ما خَرَجتُ)) خرّجه الإمام أحمد وأهل السنن، ويُؤثر عن عمَرَ رضي الله عنه قوله: (لولا حبُّ الوَطَن لخرِب بلدُ السّوء)، وكان يُقال: بحُبِّ الأوطان عُمِرت البلدان، ويقول حكيم: يتروَّح العليل بنسيمِ أرضه كما تتروَّح الأرض الجدبة ببَلِّ المطَر، ومن الحِكَم السّيّارة: حبُّ الوطَن مِن الإيمان، نعمتان مجحودتان: الأمنُ في الأوطان والصّحّة في الأبدان، غيرَ أنه لم يصحّ رفعهما إلى النبيّ ، ويقول إبراهيم بن أدهَم: "ما قاسَيتُ فيما تركتُ من الدّنيا أشدّ عليَّ من مفارقة الأوطان".

سلِّم على قَطَنٍ إن كنتَ تألَفه ... سلامَ مَن كان يهوَى مرّةً قطَنًا

ومِن روائِع الحِكَم قولُ بعضهم: أحقُّ البلدان بنزاعِك إليها بلدٌ أمصَّك حَلبَ رِضاعه، وقيل: احفَظ أرضًا أرسَخَك رِضاعها وأصلَحَك غذاؤها، وارعَ حِمًى اكتَنَفك فِناؤه وروَّحَك هواؤه، وقيل: مِن علامة الرُّشد أن تكونَ النفوس إلى أوطانها مشتاقةً وإلى مولِدِها توّاقة، وقيل لبعض الحكماء: ما الغِبطة؟ قال: الكفايةُ ولزوم الأوطانِ والجلوس مع الإخوان، قيل: فما الذّلَّة؟ قال: النزوحُ عن الأوطانِ والتنقّلُ بين البلدان.

وللأوطانِ في دَمِ كلِّ حرٍّ ... يدٌّ سَلَفت ودَينٌ مستَحَقّ

وإذا كان هذا المعنى في كلِّ الديار والبلدانِ فما بالُكم بغُرَّة جبينِ الأوطان وعِقد جيدِ البلدان وقرّةِ عيون الزمان والمكان بلدِ التوحيد والعقيدةِ ومَهدِ السنة والرِّسالة وموئلِ القرآن ومأرِز الإيمان وأرضِ الحرمين وقِبلة جميع أهل الجَحفَلين؟!

هنـا بمكّةَ آيُ الله قد نزلـت ... هنـا تربَّى رسولُ الله خيرُ نبيّ
هنا الصّحابَةُ عاشوا يصنَعون لنا ... مجدًا تليدًا على الأيّام لم يشِبِ
ولي وطَنٌ آلَيتُ أن لا أبـيعَه ... وأن لا أرَى غيري له الدّهرَ مالكًا
إني أرى هذِي البلادَ وأهلَهـا ... عِقدًا ثمـيـنًا لا يُنال بسـوءِ ظنّ
أرضٌ لها في المكرُمات عراقَةٌ ... مشهـودَة والمجـدُ فيـها مختَزَن
رسَم الإمامان الطريقَ فَعَلَمُهـا... يمحو الضّلال وسيفُها يمحو الفِتَن

غير أنَّ ذلك كلَّه ينبغي أن لا يحمِلَ المحبَّ ـ لا زال مكلوءًا بالرّعاية والتوفيق ـ أن يَسوءَ ظنّه أو ينِدَّ فهمُه عن المقاصِدِ الشرعيّة في هذه القضيّة، فلا يحمِلها على عصبِيّةٍ للتراب والطين على حساب العقيدة والدّين، ولا يحمِّلها لوازِمَ لا تلزَم من نظرةٍ عصبيّة وشعارات جاهليّة وغمطٍ لأخوّة العقيدةِ الإسلامية العالميّة التي تتسَامى عن الحدودِ الجغرافيّة والنظراتِ الإقليميّة معاذَ الله، فلا تنافيَ بين هذا وذاك، وهل المسجِد الأقصى يُقصَى ويُستَقصى؟! وهل تنسَى فلسطينُنا الصامِدة وقُدسُنا المقدَّسة وبِلادُ الرافدين الجريحة وغيرُها؟! حاشا وكلاّ.
وأينما ذُكِر اسـمُ الله في بـلدٍ ... عَدَدتُ أرجاءَه من صُلبِ أوطاني
فلا تضِق ذَرعًا بما ثبت شرعًا، ودعني من بُنَيّات الطريق.
وأمّا إن ألقَاك فهمُك في مهاوٍ ... فلَيتَك ثـمّ ليـتَك مـا فهِمـتَ



.. يتبع ..

التوقيع

أسألكم بالله
أن لا تنسو والدتي من الدعاء لها بظهر الغيب

   

رد مع اقتباس
 
 

 

Content Relevant URLs by vBSEO 3.3.0