المناقشات وقفزات الإجابة
كثيرة هي المداخلات التي لم تناقشْ بالصورة التي يتعطَّش لها السائل، بحثًا عن عمق المعلومة وشغفًا بالإجابة، فطرحت استفهامي "هل من وجود للقِيَم في المقالة السعوديَّة" وأقصد بذلك القيم الإعلاميَّة والاجتماعيَّة والدينيَّة في المقالة السعوديَّة؟".
وكانت الإجابة الصاعقة: "القيم تتجدَّد والكاتب يستطيع إحداث قيمٍ أخرى لم تكن موجودة, والقارئ هو من يميز فيختار" كان هذا جوابًا من فهد الأحمدي.
ولي هنا وقفة: ما أهلكنا اليوم هو أن القيم يستحدثها الكتّاب على حسب توجهاتهم وأفكارهم ليس رغبةً بالنهضة بل لاقتلاع قيم اجتماعيَّة ودينيَّة بكل أسف, وكان المفترض قياسًا على جواب الأستاذ فهد أن يقدم الكتّاب سلع متنوعة محترمة ثم قُل بكل تقدير للقارئ "تأثر بفكر من تريد"!! لكن الوجهة الواحدة التي نراها اليوم في المقالات الصحفيَّة تدلك على ماذا يريد كتاّبنا فقط.
وسؤال آخر كان أقوى من الإجابة عليه "ما سمات الكاتب الجماهيري وكيف نثق بالكاتب؟" وكان الرد مختصرًا: "لا تحتاج أن تثق بالكاتب, أنت تحكم على المعلومة لأن لديك عقلًا نقديًّا، قيّم الوثائق فربما تكون مفبركة"!
أترك التعليق للقراء! ولا ننسى أن هناك عبارة لا يطبقها أبدًا كتابنا اليوم رغم أنهم ينطقونها، ذكرها الأحمدي (الثالوث المحرم في الكتابة: الجنس الدين السياسة" مشيرًا إلى أن الكاتب يحرم عليه الخوض في هذه الثلاثة، والواقع اليوم غير ذلك!
وتأتي الأسئلة تباعًا تظنُّ أنها ستصل لهدفها من إجابات شافيه "ماذا عن الكاتب بالواسطة، والزوايا المحتكرة، ووصاية الإقصاء للأفكار الأخرى", "لماذا نجد انعدامًا لصحافة المواطن رغم أنها مثبتة في عالم الإعلام الجديد", "ما هدف المقالة السعودية اليوم في نظرك ككتاب", "ولماذا يتولى القضايا النسائيَّة الكتاب الذكوريون؟", و"لماذا لا تحتكر بالصوت النسوي فقط"، "لماذا وضوح التيارات في مقالات كتابنا", وأسئلة كثيرة لم يسعف المشاركين بخبرتهم وسعة ثقافتهم التصدي لها، فلم نعد نميز أين الخَلَل أهو بالأسئلة أم بكفاءة المجيب وتوجهه، وعلمت حينها أن الشهرة وحدها لا تكفي أبدًا.
القضايا النسويَّة
الحديث عن اللقاء الثالث الذي كان أكثر جرأةً وأعمق في الفكر التنويري رغم أن عدد الحاضرات ليس أكثر من سابقه لكن المشاركين ابتدأهم د.
إبراهيم البليهي (كاتب ومفكر سعودي) الذي تجرَّأ على المشاركات باعتراضه على جامعه الأميرة نورة في بداية حديثِه أن يكون التواصل عبر الدائرة التليفزيونيَّة، ليقول: "بعض الأصدقاء أنجدوني بأن حضروا وإلا كنت تحدثت إلى فراغ, وهذه هي أيضًا مشكلة المرأة إذا كنا في جامعة نسائيَّة ومع ذلك تفرض على نفسها ما يراد لها، فكيف تحصل على حقوقها وهي ترسخ هذا العزل", ثم أضاف: "لولا الدائرة التليفزيونية لكنا مضطرِّين لأن نكون أمام بعضنا" مستندًا في قوله على فعل النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان يخطب والنساء أمامه بل ويقترب منهن ويصير بينهن يتحدث إليهن"، لكن النساء أردن ذلك ويبدو أن المرأة هي من تضعف نفسها, وشدد "كان يجب أن نكون أمام بعضنا ليس معزولين بهذا الشكل", فالمرأة اليوم تعزل نفسها عنا وتريد أن نتحدث عنها وكأننا نتحدث إلى أشباح".
ثم تحدثت الدكتورة د. أميرة الزاهراني (مديرة الندوة الثالثة) ولا أدري هل من المريخ أم من الأرض أن هذا لا يجوز أن يحصل أبدًا ولا أن يستمر, حيث أسهبت في الحديث أن التغيير لا بدَّ أن يكون في تغيير المفاهيم أو ما أسماه بالحراك الفكري.
هل وصلنا إلى هذا الحد من التجرُّؤ على حدود الله وامتهان لحرمة المكان العلمي واحترام لمشاعر الحاضرات وحريتهن!, وعجبًا والله لمن تشغله قضايا المرأة وفقَ ما يهمُّه حسب الاتجاه التنويري فقط لا حسب ما تريده المرأة حقيقةً في مجتمعنا, والأعجب أيضًا أنه لم تقدمْ دراسة دقيقة عن واقع القضايا النسويَّة في السعوديَّة ما تمت معالجته وما يلزم من المقالة السعوديَّة نحوها, مما يعطي دلالةً واضحة على عدم مصداقيَّة الطرح ووضوح الهدف.
الفصل الديني
أما فاطمة العتيبي (كاتبة) فدعت صراحةً "ماذا نريد الآن أن تصنعه المرأة أهم قضية هو فصل!! فصل القضايا الاجتماعيَّة للمرأة عن الخطاب الديني يعني محاولة تلبيس قضايا الناس لباس ديني هو محاولة للسلطة الاجتماعيَّة من أجل أن تستبعدنا عن المضي قدمًا في نَيْل حقوقنا قضية مهمَّة جدًّا".
وتعود لتؤكد على ما طرحه البليهي بقولها: "والأستاذ البليهي وغيره من المفكرين والنساء القادرات هن أيضًا مسئولات وهم مسئولون عن تصحيح هذه الفكرة, والمهمّ جدًّا في هذه المرحلة أن نقرَّ ونعترف بأن القضايا التي تعاني منها المرأة السعوديَّة ليست لها علاقة بالجانب الديني"، و" لماذا النظام يقرُّ حين يقر النظام أن تعمل المرأة بائعة لم يجبر أن تعمل كل النساء بائعات ولم يصدّر كل امرأة مثلا مؤهلها متدنٍّ تذهب وتعمل بائعة هو أقرّ حق لمن تريد, وطبعًا النظام مسئول لأن السلطة أو القرار السياسي هو مسئول عن منح المواطن حياةً مستقرَّة حياة مرفهة لا بدَّ أن يوفّر له سبل الحياة, سبل الحياة كيف تنظم بالقوانين أن أسمح بهذا الشيء وأترك الحرية للناس".
وختمت "الـ 25 سنة الماضية صنعت لنا خطابًا منغلقًا يجعل المرأة التي يضربها زوجها وتصبر على ضربه تدخل الجنة، بينما لم يحدثنا أحدٌ عن حقوق الإنسان في حماية جسدها لماذا، المهم عندي نقطة واحدة هي أهليَّة المرأة, الجزء الثاني فيما يتعلَّق بمبادرة المرأة للتغيير وفصل قضاياها الاجتماعيَّة عن الخطاب الديني بمعنى المآزق التي تعاني منها المرأة لا علاقة لها بالدين, الدين انتهى حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اليوم أكملت لكم دينكم) لن ينزل تشريع جديد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم هو من باب السلطة الاجتماعيَّة وتداول الأفكار, نقاش الأفكار العلماء المفكرين المحلِّلين كل هذه تدور في خطاب اجتماعي وليس خطابًا دينيًّا لأن الخطاب الديني انتهى التأويل خطاب اجتماعي أنت تؤول في عصر صدر الإسلام وأنا لي حق أؤول إلى الآن" حرصت على نقل النصوص لأنها أدق من التعليق, وأما الأسئلة فكالعادة إجاباتها مختصرة مؤكدة للدعوة, وعمومًا أشعر أن الموضوع أُعطي أكبر من حجمه, والحضور لم يكن بالصورة التي نقلت من قبل صحيفة الجزيرة التي قدمت ما يراه المشاركون إلى المجتمع بصورة أكبر ولم تقدم ما يثري المقالة علميًا وفكريًّا، وعلى قول الكاتب د/الحبيب "لعبة عنوان".
وختامًا, صعقت بمن عرّف بنفسه "لست أكاديميًّا, ولم أكمل الدراسة الجامعيَّة أصلا, ولم أقدمْ دورة إعلاميَّة بل أنا عاطل وأكسب ثلاث أضعاف رواتب الأكاديميين من المقالات التي اكتبها", فمن يستكتب القادرين على الكتابة من المؤهَّلين علميًّا!!