أسخر كتاب الإنترنت العرب: في الابتدائية كتبت عن(حذائي) فتنبّأ معلم التعبير بعباطتي
حوار/ وليد الحارثي - الاسلام اليوم
* أطرح الأسئلة وأمضي دون أن تعلق قدماي بعلامة استفهام
* أكثر ما أودّ أن يعود لي من طفولتي القدرة على الحلم و الدهشة
* حين خرجت من القرية وجدتني أحمل شمسي في جيبي وأسقيها ظلاماً كل صباح
* أنا غبيّ يسرق التلاميذ شمسه من جيبه كل يوم
* في الابتدائية كتبت عن (حذائي) فتنبّأ معلم التعبير بعباطتي
* كان يفترض أن أكون الرئيس الأعلى لهيئة كبار المثقفين، أو حتى العلماء لا فرق
* أرجو أن تلمعني بشكل جيّد!
* الكاتب السوّيد استفاد من شهرتي.. لكنه لم يشكرني!
بعد أن قرر ألاّ يكذب..
"سهيل اليماني".. هذا الاسم تعرفه (يوزراً) كاتباً في الشبكة العنكبوتية، يصنع الأحداث بنصوصه التي يكتبها، ينتقد فيها شخصاً، واقعاً، فكراً، ويترك الناس على أثرها يتجادلون، ويعتبر نفسه كائناً يتحدث عن الحياة من خارجها ولا يعيشها!!
كتبَ مقاله (أيها الوزير كل تبن)، والذي استفاد من شهرته الكاتب الصحافي المعروف (عبد العزيز السويد)، و (يوسف: أعظم رواية في التاريخ)، وهو المقال الذي أحدث ضجة واسعة على شبكة الإنترنت، واتهم فيها بسرقة أفكار سيّد قطب، وهو لم يسبق له قراءة أي من كتب سيّد قطب، وهو مبدع مقهى التجلي الذي يتجلى فيه بنصوص مميزة تتناول الحياة برؤيةٍ ساخرة، وتعبر - خلاف ما يعتقده الكاتب – عن أفكار الطبقة الكادحة.
وهو الآن في حوارنا معه شخصٌ حقيقيٌ اسمه: "عبدالله القرني" صانع شخصية "سهيل اليماني" التي لم تستطع أن تكون –واقعاً- كاتباً ساخراً في مواقع الإنترنت، وهي التهمة التي توجّه له بأنه ليس سوى كاتب إنترنت لا فائدة منه ما جعله يدافع عن ذلك، ويعترف بأنه لن يرفض أي عرض للكتابة تقدمه له أي صحيفة مطبوعة، ويرى أن الفرق بينه وبين كتّاب كتركي الدخيل وعبدالعزيز السويّد هو أنهم يتقاضون أجراً لقاء ما يكتبون وهو لا!
يعتقد أنّه لو كان كاتباً صحفياً يتقاضى أجراً فسيكون وطنياً مستفزاً، وسيقول أن أهله حين وُلد أسمعوه السلام الملكي في أذنه اليمنى وأغنية وطني الحبيب في أذنه اليسرى، ولن يستفز مشاعر جماهيره بصور من رحلته إلى تهامة، بل سيحدثهم عن الشقة التي استأجرها على ضفاف بحيرة في سويسرا، وعن السياحة في باريس!
مهمة الكاتب لديه هي خلق الأسئلة، ودفع القارئ للتفكير والتأمل، لا يراعي هموم أي طبقة لا كادحة ولا مكدوحة، ويتكلم عن همومه الخاصة.
بطاقة سهيلية
سؤال بدائي جداً: من هو سهيل اليماني؟!
سؤال بدائي لاشك في ذلك، ولكنه فرصة للتنظير، وأنا أبحث عن هكذا فرص؛ لأني أعتقد أني مفكر عظيم، مع أنه ليس شرطاً أن يكون كل ما نعتقده صحيحاً، وليست ضرورة قصوى أن نعتقد كل ماهو صحيح!
وعودة إلى السؤال فإني أقول إن سهيلاً أشياء كثيرة جداً، أشياء لا تشبه بعضها بعضاً، ولا يربطها رابط منطقي، ولا يفهمها أحد حتى سهيل نفسه!
ولكن: ما الذي تفعله؟ لا يهم ما تعتقده هنا!!
ما أظنه أن سهيل يمارس الكتابة اليومية منذ عشر سنوات ـ منها ما يُنشر، ومنها ما لا يمكن نشره ـ وأن كل ما كتبه لا يخرج عن سؤال كهذا: "من هو سهيل اليماني؟"، و أجزم أنه لم يعرف الإجابة، ولم يشغل نفسه بالبحث عنها. إنه يطرح الأسئلة، ويمضي دون أن تعلق قدماه بعلامة استفهام. إن خلق الأسئلة هي القلق الذي يصنع الكتابة، حين يصل الكاتب إلى مرحلة استقرار وراحة بال وطمأنينة وهدوء، ولا تحاصره الأسئلة من كل اتجاه، حين لا يجد أن كل ما حوله ليس ورقة اختبار مليئة بالأسئلة، فإنه يصبح أي شيء آخر، لكنه لن يكون كاتباً مبدعاً ولا حتى كاتباً عادياً، وأنا هنا لا أقول إن سهيلاً كاتب مبدع، ولكني أنظّر كما قلت في البداية!
وماذا عن علاقة الكاتب سهيل، بالكائن الحقيقي عبد الله القرني؟!
ما أعرفه أن عبد الله القرني هو من صنع سهيل اليماني؛ ليكون شيئاً لم يستطع أن يكونه واقعاً، لكنه تخلى عنه قبل أن ينتصف الطريق؛ لأنه لم يعد قادراً على السيطرة عليه، ولأنه اكتشف أن الواقع لا يحتمل وجود سهيل. عبد الله كائن حقيقي يذهب إلى عمله كل يوم متأخراً، ويقع في إشكالات مع رؤسائه في العمل، وتصبح أجهزة الصراف الآلي أحب المخلوقات إلى قلبه آخر كل شهر، ويماطل في دفع أجرة المنزل الذي يسكنه، ويحب عائلته وأصدقاءه ويكره بقية الخلق، ينفعل ويقول كلاماً وقحاً وبذيئاً، ويقول كلمات جميلة أحياناً، لكن سهيل ليس فيه شيء من هذا، سهيل كائن يتحدث عن الحياة من خارجها، لكن عبد الله يعيش الحياة، ولا يتحدث عنها كثيراً!
ذكريات النشأة، والطفولة
سنعود بكَ إلى الماضي العتيق، ونسألك: أين وكيف تعلمت؟ وكيف كانت نشأتك؟ هل كان سهيل كباقي الأطفال؟!
أعجبتني كثيرا عبارة: "هل كان سهيل كباقي الأطفال"!!
أعتقد أن من يقرأ السؤال سيظن أن هذا اللقاء مع (تشي جيفارا) أو (نيسلون مانديلا) في أقل الأحوال، مع أني أعتقد أنهما كانا كباقي الأطفال حين كانا طفلين!
على أية حال، في السؤال السابق كان هناك حديث عن كائنين منفصلين، سهيل لم يمر بمرحلة الطفولة ولم يتعلم شيئاً، بل إنه لم يتلق أي نوع من أنواع التربية على الإطلاق!
حدثنا عن شخصك الحقيقي يا عبد الله.. عن أبرز أحداث حياتك الطفولية؟
ليس في حياتي ما يمكن أن يكون مختلفاً عن أي طفل نشأ في قرية، كنت أعتقد حدود العالم هي أطراف تلك القرية، كنت أحلم أن أصعد ليلاً ذلك الجبل الذي يحد قريتنا من الشرق لأرى الشمس قبل أن تشرق، وما الذي تفعله في ذلك المكان الموحش البعيد طوال الليل!
كانت أحلامي صغيرة جداً وغبية، لكنها أحلام على كل حال، أكثر ما أود أن يعود لي من أيام الطفولة هو القدرة على الحلم، وعلى الدهشة. أنا حالياً بلا أحلام، ولم يعد لديّ القدرة على الدهشة، لم أعد أتفاجأ بأي شيء، في حين أذكر أني عشت أياماً مندهشاً ومتعجباً حين اكتشفت أن هناك بشراً غير أولئك الذين أعرفهم، وفاجأتني الشمس كثيراً حين عرفت أنها لا تختبئ خلف جبل ما لتستعد ليوم جديد. من أصعب الأشياء على النفس تقبل فكرة أن تغير قناعاتك، ولكني بعد فترة من الحياة خارج حدود القرية بدأت أتقبل هذه الفكرة، وقناعاتي أصبحت صالحة للاستخدام لمرة واحدة فقط. حين خرجت من القرية لأول مرة وجدت أني أحمل شمسي في جيبي، وأسقيها ظلاماً كل صباح، حتى ترتوي وتغيب، وتعود يملؤها الجوع بياضاً..، أزعم أني "مفتّح" ـ كالشمس الجائعة تماماً ـ بينما أنا لست إلاّ غبياً يسرق التلاميذ شمسه من جيبه كل يوم!
بعيداً عن سهيل، كيف كانت المراحل الأولى في حياتك؟ ما دور الوالدين في تلك الأيام؟
ذاكرتي ضعيفة، وهذا أحد الأسباب الوجيهة والمنطقية لاستمراري ضمن الأحياء حتى هذه اللحظة، أحب والديّ ـ كأي إنسان سوي ـ وأعتقد أن لهما الفضل الأكبر بعد الله في أي شيء جميل حدث لي، وأن الأشياء السيئة التي حدثت لي كانت بسبب عدم قيامي بواجبي بشكل صحيح تجاههما، وأنا من هذه الناحية محظوظ أكثر من غيري فيما يبدو؛ لأن لي أكثر من أم لهما في نفسي نفس المكانة؛ فزوجة والدي وأم إخوتي هي أمي أيضاً، وهي من أجمل الأشياء التي لها فضل كبير في حياتي بشكل عام، كل شيء جميل في حياتي أجد أن لها بصمة واضحة فيه، وحين يكون هناك حديث عن الأم تقفز في ذهني صورتان لشخصين أحمل لهما في داخلي نفس المعنى، وأحبهما بنفس الطريقة أكثر مما يمكن وصفه بكلمات حمقاء!
ألا تتذكر مواقف حفرت نفسها داخل ذاكرتك؟!
لا أعلم هل يصح أو هل يحق لي أن أتأسف؛ لأنه ليس لدي كثير من المواقف التي يمكن أن أظهر من خلالها كم عانيت في حياتي، مثل هذه الإجابات مطلوبة، ويتكلم عنها الكثير من الذين أصبحوا شيئاً مهماً في الحياة، وأنا أحاول أحياناً إقناع نفسي أنّي شيء مهم، ولكني أكف عن المحاولة؛ لأن بيني وبين نفسي ما يشبه الاتفاق ألاّ نحاول خداع بعضنا البعض، ما يعلق في ذاكرتي أني عشت حياة عادية، ومازلت إنساناً عادياً، وأعتقد أني سأرحل من هذه الدنيا وأنا كذلك، صحيح أني فقدت الكثير من الأحبة، هناك من كف عن الحياة في الوقت الذي لم أكن أتخيل الدنيا بدونهم، مات أناس في قلبي، ومتّ أنا أيضاً في قلوب كنت أسكنها، صحيح أني حزنت وتألمت وبكيت، ولكنني واثق من أن كل الناس يفعلون نفس الشيء، ومرّت عليّ لحظات سعيدة وجميلة شعرت خلالها أن الدنيا أجمل مما كنت أتوقع، ولكني أيضاً واثق أن كل الأحياء مرت عليهم ولو لحظة سعيدة واحدة على الأقل. أحاول حقيقة أن أتذكر شيئاً يجعل مني حالة استثنائية لكي تكون إجابتي مؤثرة، ولكني لا أجد أي شيء لم يحدث إلاّ لي وحدي!