ثالثا: وهنا نأتي لما احتج به الأخ الفاضل (زهير)، فنقول: أما ما احتج به من فعل عبدالله بن عمر –رضي الله عنه- الذي كان يتـتبع مواضع وأماكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا يصح الاحتجاج به، لأنه كان يفعل ذلك متابعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس تبركًا بتلك الأماكن التي لم يقصدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذاتها أو لبركة فيها، بل من غير قصد. وقد اشتهر عبدالله بن عمر بحرصه على متابعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل شيء، فلم يكن يفعلها طلبًا للبركة في تلك الأماكن، بل كان يفعل ذلك لشدة حرصه على متابعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
والذي يدل عليه ما رواه المعرور بن سويد، بإسناد صحيح على شرط مسلم، حيث قال: (خرجنا مع عمر بن الخطاب، فعرض لنا في بعض الطريق مسجد، فابتدره الناس يصلون فيه، فقال عمر: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا، حتى أحدثوها بِيَعاً، فمن عرضت له فيه صلاةٌ فليصل، ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض).
وقد ثبت في الحديث الصحيح قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)، وفي آخر صحيح: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ).
وأما استدلال الأخ (زهير) بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إني أعرف أنك حجر لا تضر ولا تنفع لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك). فإنه استدلالٌ على عكس مقصود عمر، إذ أن الحجر مما مسته يد الأنبياء، كما مسته يد نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك قبّله بفمه الشريف، فلو كان ذلك يقتضي البركة، لكان تقبيل الحجر لسببين: البركة فيه، ولأجل الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والذي أثبته عمر إنما هو المتابعة، ونفى غيره، وهذا ما يُـبطل استدلال الأخ (زهير) به، بل هو على عكس مراده، فعمر –رضي الله عنه- نفى أن يكون تقبيل الحجر من أجل البركة، وأثبت أن الأمر مجرد عبادة واتباع وانقياد لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ويجب أن يسأل الإنسان نفسه: لماذا خصَّ عمر –رضي الله عنه- هذا الاستثناء بالحجر الأسود دون سواء؟ أليس في هذا الدليل أن المسألة مسألة عبادة ومتابعة، لا مسألة تبرك؟ لذلك اتفق العلماء على أنه لا يشرع استلام وتقبيل مقام إبراهيم –عليه السلام-، مع أنه موضوع قدمي الخليل عليه السلام، فكيف يُشرع التبرك بما لم يثبت ببرهان أنه من آثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو بما لم يقصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذاته؟
قال الإمام النووي الشافعي: (لا يُقبّل مقام إبراهيم ولا يستلمه، فإنه بدعة).
وروى ابن جرير عن قتادة قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئاً ما تكلفته الأمم قبلها.
يقولون هذا في المقام، مع أنه مقامُ نبيٍ من أنبياء الله –تعالى-. وقد قال ابن القيم في زاد المعاد: (ليس على وجه الأرض موضعٌ يُشرع تقبيله واستلامه، وتُحط الخطايا والأوزار فيه؛ غير الحجر الأسود، والركن اليماني).
وقال الإمام النووي: (يكره مسحه –أي قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم- باليد وتقبيله، بل الأدب أن يـبتعد منه كما يـبتعد منه لو حضر في حياته صلى الله عليه وآله وسلم، هذا هو الصواب، وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه، وينبغي أن لا يُغتر بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك.. ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة، فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع).
ولو جاز التقبيل والتمسح بكل ما مسَّه النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، لرأينا الصحابة -رضي الله عنهم- يتمسحون بجدران بيته والأماكن التي مسّها صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا ما لم يُنقل ألبتة لعدم حصوله. ثم التقبيل والتمسح إنما يُفعل كعبادةٍ، والعبادة لا بد لها من دليل، مثلها مثل الطواف والسعي.
ولو جاز جعل القبر محلاً للتقبيل والتمسح والتبرك والطواف: لكان عيدًا يقصده الناس للاجتماع والتعظيم، وطلب الحاجة، وهذا ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تجعلوا قبري عيدًا، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنـتم).
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). قالت عائشة رضي الله عنها: (لولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خَشي أو خُشي أن يُتخذ مسجدًا).
ولذلك لم يثبت أن أحدًا من الصحابة أو من التابعين لهم بإحسانٍ قد تبركوا بقبر النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، أو أمروا بذلك، بل كانوا ينهون عن ذلك.
ومما استدل به الأخ (زهير) قصة (منديل المسيح) ووصفها بأنها رواية رائعة. أقول: ما هكذا يستدل أهل العلم، فإن هذه القصة باطلة، ولا أساس لها من الصحة، حيث أن المؤرخ (حسين الديار بكري) ساقها في كتابه (تاريخ الخميس) من غير سندٍ أو مصدرٍ، مع أن ما بينه وبين الحادثة نحو ثمانمائة سنة، هذا أولاً.
الأمر الثاني: أن القصة لو صحت لا دلالة فيها على اهتمام المسلمين بذلك المنديل، وبل فيها دلالة اهتمام الكفار بذلك، وهذا ليس حجة في دين المسلمين.
الثالث: أننا أمام أمرين اثنين: إما أن المنديل ثبتَ أنه للمسيح عليه السلام أو لم يثبت، فإن كان لم يثبت فلا دلالة في القصة إلا على تعظيم الكفار لمثل هذه الأمور، فهو دليل ضد الأخ زهير لا معه. وإن ثبت أنه منديل المسيح فدلَّ على تفريط المسلمين بآثار الأنبياء الثابتة، وتسليمها للكفار، وهذا يخالف كلام الأخ (زهير) من أنَّ المسلمين حفظوها في قلوبهم وأرواحهم، وعاشوها في حياتهم، ثم قاموا بنقلها تامة لتحفظ في عقول الأجيال!
أما قول الأخ (زهير) : (والتبرك لا يعني الشرك، بل إنه لا يؤدي إلى الشرك كما يخاف ويظن البعض، فالعقيدة الإسلامية راسخة في القلوب والعقول).
إن كان يقصد التبرك المشروع الذي تقدم شرحه فصحيح، وإن كان يقصد التبرك الممنوع، فهذا مخالفٌ للواقع المشاهد والمسموع الذي يعرفه كل من له أدنى اطلاعٍ على أحوال الناس، فقد رأيتُ بنفسي في مصر -في مكانٍ يُزعم أنه قبر رأس الحسين رضي الله عنه- الناس يطوفون على القبر كالكعبة، ويستلمون إحدى زواياه بالتكبير، ثم يطوفون عليه، ويتمسحون به، ويدعون الحسين باسمه أن يشفي مرضاهم ويُغني فقراءهم، فلما أنكرتُ عليهم ذلك، قال لي أحد سدنة القبر، مستدلاً على صحة فعلهم، وفاسد قولي: إنه شاهد يد الحسين عيانًا بيانًا تُسلم عليه وتُقره على فعله ذلك!
ويمكنك أن تشاهد القنوات الفضائية، أو المقاطع المرئية على الإنترنت، لترى حجم البدع والشرك والانحراف الذي وقع فيه كثيرٌ من المسلمين، فقد رأيناهم وسمعناهم يزعمون أن الولي الصالح أو الإمام هو الذي يخلق ويحيي ويميت ويقبض الأرواح، ويجري السحاب ويهزم الأحزاب، وغير ذلك مما تشيب له رؤوس الأطفال!
قال الإمام الشوكاني: (وكم سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يـبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم).
وإن أردتَ شهادةَ من غير أهل السنة، فعليك بما كتبه آية الله العظمى (محمد الخالصي) في كتابه (علماء الشيعة) أو في رسالته إلى (رئيس الحكومة الإيرانية) حيث بيَّن أنه ما من مدينة أو قرية في إيران إلا ويوجد فيها قبر أو شجرة أو صخرة يقدسها الناس، ويلجؤون إليه في قضاء حوائجهم.
بل اقرأ كتب الصوفية وكراماتهم والتراجم المتأخرة وستـتكرر أمامك كثيراً عبارة: وقبره تُقضى عنده الحاجات، وتفرّج فيه الكربات! وقبره ظاهر يُزار ويُتبرك به! وأشد من ذلك!
ولا أدري لو أن الأخ زهيراً رأى عمرَ بن الخطاب –رضي الله عنه-، وهو يقطع تلك الشجرة حتى لا يفتتن الناس بها، فهل سيعترض عليه، ويقول: إن العقيدة الإسلامية راسخةٌ في القلوب والعقول؟!
أما قياسُه ثبوت مواقع بعض الآثار المزعومة بموضع (إبليس) – كما تسميه- فقياس غير صحيح، لأننا عرفنا مواضع الجمرات وغيرها: من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يُؤدي المناسك و يحدد المشاعر، فهذا دينٌ أُخذ من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذي أمرنا بذلك، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (خذوا عني مناسككم)، فعرفنا بها ثبوت مواضع المناسك بصورة قطعية. وليس هناك نقلٌ ثابتٌ من وقت خليل الرحمن –عليه السلام- إلى اليومَ يمكن التعويلُ عليه في إثبات تلك المواضع التي وقف فيها إبليس.
أما الاستدلال بأقوال علماء النفس والاجتماع، فليس بحجة في العقيدة والدين، فالدين يُؤخذُ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس علم النفس حجة في الدين والعقيدة.
كما أنه لا يجوز الاحتجاج في العقيدة الإسلامية بما فعله الفراعنة واليهود والنصارى والوثنين، كيف ذلك ونبينا الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، كما رواه البخاري، قال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لسلكتموه). وكذا قال صلى الله عليه وآله وسلم، كما رواه البخاري أيضًا: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع. فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك). بل ذلك عين المخالفة للحديث الصحيح: (لا تُطْروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم)!
ولذا، فنحن نفتخر ونعتز ونتبرك باتباع سنة نبينا الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم، وما ثبت عنه، وما فعله الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يسعنا إلا أن نتبعهم شبرًا بشبر. ولذا فنحن نؤمن بالتبرك الذي دلَّ عليه النقل الصحيح، كالتبرك بتلاوة القرآن الكريم، وذكر الله، والتبرك بذات النبي في حياته وبما ثبت من آثاره المنفصلة عنه، ونتبرك بدعاء الصالحين لا بذواتهم أو آثارهم، ونتبرك بشرب ماء زمزم، ونحوه مما أرشدنا النص الصحيح إليه، فهذه عبادة، والعبادة توقيفية لا اجتهاد فيها ولا قياس.
وكذلك نؤمن ببركة ما ثبت في الصحيح، كبركة مكة والمدينة، والأقصى، والشام، واليمن، وبركة عجوة المدينة، وبركة شجرة الزيتون، والنخلة، وبركة اللبن، وبركة السحور، وبركة المطر، وبركة الخيل، إلى آخر ما ثبت. وبركة بعض الأزمان؛ كأيام رمضان، والعشر من ذي الحجة، وأيام التشريق، وليلة القدر، ويوم الجمعة، وبركة الثلث الآخير من الليل، وغيرها.
نأخذ كل ذلك من قوله وفعله صلى الله عليه وآله وسلم، وفعل أصحابه رضي الله عنهم، لا من الفراعنة أو الوثنيين واليهود والنصارى!