لعلَّ القارئ الكريم أن يسمحَ لي بِطَرْح بعض الأسئلة، قبل الدُّخول في صلب الموضوع، وهذه الأسئلة تدور حول الكتابة، والثقافة، والفكر، بصفة عامة:
1- ما طبيعة مَعارِض الكتاب في الوقت الحاضر، أو بمعنى أوضح: ماذا يغلب عليها؟
2- لماذا نجد مكتبات ودُور نشر تَتَخَصَّص في قضايا معينة فقط، وتهمل القضايا الأخرى؟
3- لماذا نجد بعض المراكِز المُتَخَصِّصة تَتَبَنَّى اتجاهًا معينًا دون الآخر، كالمراكز التي تُعْنَى مثلاً بالقومية العربية ومطبوعاتها؟
4- هل الإنتاج الثقافي العربي يواكِب تطلُّعات القارئ العربي؟
هذه التساؤلات تأتي دائمًا في بال المثقفين والمفكرين، مع إقامة المعارض الدولية للكُتُب، وقد بَدَأ في هذه الأيام معرض الرياض الدولي للكتاب، والحديث عن الكتاب عمومًا هو الحديث السهل الصعب، أو الصعب السهل، بأيهما بدأتَ كنتَ محقًّا:
سهل: لأنَّ الموضوع قد طرق كثيرًا، وتحدث عنه الكثيرون، وهذا يجعل مهمة مَن يحاول الكتابة عن معارض الكتاب والكتب سَهْلة.
وصعب: نتيجة الصعوبات والتعقيدات والأفكار، التي تحدث وتثار في بعض الدول العربية حين يقام المعرض على أراضيها.
نعم، تعقيدات، ويُمكن أن تُسَمَّى تعقيدات فكرية، عندما نرى هذه الصِّراعات الخفية التي تحدث خلف كواليس كل معرض للكتاب، فنجد أن أصحاب الاتجاه التغريبي مثلاً يرغبون في هذا التوجه، وأصحاب التوجه الديني يرغبون في توجه آخر، وأصحاب توجه آخر يريدون توجهًا حسب أفكارهم، ونحن المساكين قد ضِعنا بين هذا وذاك.
ألا يعلم أولئك القوم أن الوقت والزمن، والأحداث والأفكار، والتصورات والرؤى - تتجاوَز الفريقين؛ سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوا؟!
نجد أنَّ كلَّ فريقٍ يُحاول جَرَّ زمام الفكر إلى التصوُّرات التي يَتَبَنَّاها ويؤيدها، ويدعو لها؛ سواء كان ذلك الفكر وذلك التوجه يخدم الصالح العام - حسب وجهة نظره - أم لا يخدمه، وسواء كان ذلك التصوُّر الذي يراه يضر الصالح العام أم ينفعه، فالمهم عند كلا النقيضين أن يسير الفكر حسب ما يتصور وما يرى، وأما عقول الناس وحرية التفكير التي كفلها الله لهم، وحرية النظر والاعتبار والسير في الأرض - فلتذهب إلى حيث تشاء، فهي لا تدخل ضمن إطارهم المنهجي والمرجعي، فلكل مرجعيته.
إن المنهج الوسطي في القرآن الكريم يفرض على كلا الفريقين التوسُّط والاعتدال، لمن يطلب الحق والعدل، وقد يكون هذا التصور مرفوضًا بالكلية عند طرف منَ الأطراف، وهم يعذرون في ذلك؛ لأنه لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، ولكن أن يرفض هذا المنهج من أصحاب القرآن، فهذه بلية البلايا، ورزية الرزايا.
تيارات فكرية، وأهواء متصارعة، ومناهج ومذاهب مختلفة، وأحزاب وتوجهات قومية وغير قومية، ويمينية ويسارية، وتصارع، وهذا في نظري أبسط تعريف لمعارض الكتاب في الدول العربية في الوقت الحاضر.
ما يفترض في معارض الكتاب أن تكون تظاهرة ثقافية، تسعى لدعم الفكر والنظر والتقدم، ووضع التصورات، وتحليل الواقع، ووضع الحلول من أهل الاختصاص والفكر في القضايا المختلفة، وهذا ما نؤمله في معرض الرياض الدولي القادم.
وقبل أن أختم هذه الحروف، اسمحوا لي أن أوجه هذا النداء إلى أهل الفكر والثقافة والعلم:
نحن عباد الله المساكين منَ القُرَّاء، نريد الإنتاج الفكري والثقافي المتميز، فارحمونا يرحمكم الله بالكف عن هذه الحروب، واصرفوا أوقاتكم للإنتاج الراقي، فقد مَلَّت عقولنا من الأفكار البالية، والنقل، والترجمات المسروقة.