بين التقليد والتجديد
د. عدنان علي رضا النحوي
لقد اختلطت المصطلحات في واقعنا اليوم ، واختلطت دلالاتها ، وزاد الأمر سوءاً ما طرحته الحداثة والعلمانيّة ومذاهبها من مصطلحات ومواقف غذّاها الإعلام كثيراً ، وبخاصة الإعلام الغربي بأشكاله المتعددة ووسائله المتنوعة ، حتى بدا كأنه طوفان ! .
ظهرت مصطلحات : الأَصالة ، المعاصرة ، التقليد ، التجديد ، التطور ، النمو ، وغير ذلك من المصطلحات التي ظلّت " عائمة " لا تحمل معنى محدَّداً ، أو تحمل معاني مختلفة ، كل معنى يمثِّل طائفة ، يدور بيْنها الصراع .
منذ القرن التاسع عشر أخذت تظهر بوادر هذا الغزو .
ونشأت طائفة تدعو إلى تبعيّة كاملة للغرب : فكراً وسلوكاً وعادات ، أدباً واقتصاداً وسياسة .
وظهر ذلك في مرحلة كان المسلمون فيها ضعفاء ، فأثر الغـزو فيهم تأثيراً كبيراً ، وظلّت المصطلحات تتردّد في تناقضاتها أو تغيب عائمة دون وضوح.
ما المقصود بالتقليد ؟ ! وإذا كان هناك تقليد فتقليد مَنْ ؟ ! وما المقصود بالتجديد ؟ ! وإذا كان هناك تجديـد فما نهجه ؟ ! وما ميدان التقليد والتجديد ؟ ! هل هو محصور في شكل القصيدة العربيّة ؟ ! هل هو في ميدان الشعر فحسب ؟ ! هل هو في ميدان الأدب كله ؟ ! هل هو في الفكر كله وفي السعي والعمل ؟ ! وما ميزان ذلك ؟
العالم انطلق في أجواء الفضاء يشقُّها ، ورمى بيننا ما يشغلنا عن حقيقة النمو والتطور والتجديد . شُغِلنا قرابة قرنين بمثل هذه القضايا حتى أصبح التجديد يعني " التبعيّة العمياء " للغرب في قضايا لا تبني مستقبل الأمة .
كلُّ الصراخ والدويّ من أجل اتباع الغرب أورثنا نماذج الملابس وقشور الفكر واضطراب الرؤية .
والعجيب العجيب أننا لم نحرص على أن يكون التجديد هو إعداد القوة ونمو الصناعة وامتلاك أسبابها ، حتى ظل العالم الإسلامي بصورته العامة واهياً متخلفاً لم يسعفه شكل القصيدة ، ولا ما يسمى بالشعر الحرّ ، ولا التفعيلة ، وإنما زادت الخلافات حول هذه القضايا ، وبقى المسلمون في وهن وهزائم وخذلان !
قبل أن نحدّد موقف الأديب أو الشاعر أو المفكر من التجديد أو التقليد يجـب أن نحدّد ما المقصود بالتجديد والتقليد ، وأن نحدّد ميزان ذلك ومراجعه .
أهل الحداثة اتّبعوا مذاهب الغرب العلمانيّ وحداثته ، واعتبروا ذلك هو التجديد .
اتبعوه في تبعيّة عمياء ، حتى في ما يخالف الإسلام صراحة .
وحاربوا كل قديم في أمتنا بنصوص صريحة ، ومن بينها الدين واللغة ! وأعلن بعضهم كلمة الكفر صريحة مدوّيّة .
ولكنهم استثنوا من القديم كله أساطير اليونان وخرافاته التي ظلت تمثل محوراً في أدبهم وفكرهم ، وفي الفكر الغربي العلماني .
ولقد أثر هذا الاتجاه في واقعنا ، حتى أصبح بيننا من يدّعي محاربة الحداثة ولكنه في حقيقة أمره تابع لها ناشر لمذاهبها .
ولا أدلّ على ذلك مما يسمى بالشعر الحرّ ، الذي وفد إلينا من الغرب ، من العلمانيّة ـ من الحداثة ، مصطلحاً وشكلاً وأسلوباً .
وظل الحداثيون يدعون إليه بإصرار ، حتى تبنّاه بعض الشعراء دون توافر حجّة من علم أو دين أو مصلحة .
لا شكّ أن هؤلاء ليسوا بمجدّدين ولكنهم مقلّدون ، قلّدوا الحداثة ، قلّدوا العلمانيّة ، قلّدوا الغرب الذي يدّعون محاربته ، ثم يتبنّون أفكاره ومذاهبه .
أخذوا عن الغرب القشور وأسوأ ما لديه ، أخذوا عنه ما نحن لسنا بحاجة إليه ، وما لا يزيدنا قوّة وعزيمة ، ولا يسدُّ فراغاً في واقعنا .
ولم يأخذوا العلم الذي نحن بحاجة إليه ، ولا الصناعة ، ولا السلاح ، وبقينا عالة على الغرب العلماني الحداثي في أخطر ما يحتاجه الإنسان ، ولم يُقدِّم لنا ما يسمّى بالشعر الحرّ ولا شكل القصيدة أيّ إسعاف .
وظل هذا الحال منذ قرنين حتى يومنا هذا والغرب يفرك يديه فرحاً بنجاحه بإشغالنا بقشور الحياة ، وصَرْفِنا عن أسباب القوة والعزيمة ، والنهوض والوثوب ، والإفاقة واليقظة ، وكأنه صبّ في عروقنا خدراً انساب وتسلّل ، وأخذنا غفوة طويلة بين دوىّ الأحلام ، وهتافات الغيبوبة .
لقد وضحْتُ رأيي في ذلك كله بصورة جلية في دراسات متعددة منها : المسلمون بين العلمانيَّة وحقوق الإنسان الوضعية ، الحداثة في منظور إيماني ، تقويم نظرية الحداثة ، الأسلوب والأسلوبية بين العلمانيّة والأدب الملتزم بالإسلام ، الشعر المتفلّت بين النثر والتفعيلة وخطره ، الأدب الإسلامي إنسانيته وعالميته ، النقد الأدبي المعاصر بين الهدم والبناء .
وكتب أخرى .
الذين يُسمَّون بالمجدّدين اليوم هم في الحقيقة يمثلون أسوأ أنواع " التقليد الأعمى " هم قلّدوا الغرب في شكل القصيدة وما جدّدوا من أنفسهم شيئاً ، حتى إنهم سطوا على المصْطَلحات والمعاني وادّعوها لأنفسهم ، وكما يقول د . المسدي ما معناه : لو قام أصحاب الحداثة الغربية من قبورهم ورأوا كيف أنهم فقدوا حق " الريادة " حين نُسبت إلى غيرهم ، لأسفوا وغضبوا لذلك !
كل مظاهر التجديد التي يتغنى بها الكثيرون في واقعنا اليوم هي " تقليد أعمى " وتبعيّة عمياء لم تعطِ الأمّة أي خير ولم توفّر لها أيّ قوة .
من المؤسف حقّاً أن نرى التجديد محصوراً في شكل القصيدة ، وأن نرى أن أسس لغتنا وأدبنا الثابتة أصبح اتباعها يسمى تقليداً سيِّئاً .
هذه كلمات تمهيديّة سريعة لابد منها قبل طرح التصور للقضايا موضع البحث .
أومن أن الجهد البشري يجب أن يكون نامياً في الحياة الدنيا ، متطوراً مع الحياة وأحداثها . وأومن أن النمو والتطور يجب أن يكونا قائمين على أسس ثابتة راسخة وجذور عميقة لا يمسها التحوير ولا التحريف .
ذلك لأن هذه الأسس هي مصدر القوّة لكل نمو ، وهي النبع الفياض الذي يظلّ يروي كل عطاء نامٍ متطور .
[ تقويم نظرية الحداثة : الباب الثالث الفصل الرابع ] .
إن الأمة التي لا أسس راسخة لها تظل تتيه في عواصف وظلمات وزخارف ، لا تقدّم للبشرية إلا الفتنة بعد الفتنة والفساد بعد الفساد والظلم بعد الظلم والفجور بعد الفجور .
"التجديد " يجب أن يكـون ذاتيّاً ، نابعاً من جوهر الأمة ورسالتها ونهجها .
التجديد يجب أن يهب الأمة قوة وعزيمة ، ويسدّ حاجة أساسية في نموها " التجديد "يجب أن يكون له هدف واضح .
وبالنسبة لنا نحن المسلمين يجـب أن يكون الهدف ربانيّاً ، لأننا أمة تحمل رسالة أُمرتْ أن تبلّغها للناس كافة .
" التجديد "يستفيد من التجارب البشريّة بما يدخل في حاجة الأمة ليزيدها قوة وعزيمة وعزة ، لا ليشغلها عن عظائم الأمور ، ويرميها بسفسافها.
وأضرب مثلاً لمفهومين مختلفين للتجديد والنمو والتطور .
فلو نظرنا إِلى شجرة طبيعيّة تحمل الورد الذي يتجدَّد مع الأيام في موسمه ، فالورد ينمو من الشجرة نفسها ، من جذورها وأَغصانها وأوراقها ، ومن تربتها وريّها ، وما تلقاه من جهد وعناية .
هذه العوامل كلها تعمل لتخرج الوردة في أجمل صورها آية من آيـات الله .
أفنقـول عن هذه الوردة ومثيلاتها إنها شيء قديم ، إنه تقليد ، نريد أن نبحث عن جديد ؟ ! نعم ! هذا ما اتجهت إِليه مذاهب الحداثة . فهذا " مايا كوفسكي " زعيم الحركة المستقبلية يدعو الشمس لتنزل إليه وتشرب معه كوباً من الشاي ، كل ذلك كي يعيق شروقها وغروبها الأبديين.
كلما تفتّحت الوردة على شجرتها كان ذلك تجديداً ، يبعث الجمال بأحلى صورة على سنن الله الثابتة ، تتجدد الحياة معها .
وانظر إلى هذه الصورة الرائعة يعرضها لنا كتاب الله ليبيّن لنا كيف تتجدّد الحياة وكيف يكون التجديد : (..وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربَت وأنبتت من كل زوج بهيج) [الحج :5]
هذه الوردة الطبيعية ، لا تمثل التقليد كلما طلعت ، وإنما تمثل التجديد بأعظم صوره ، آيةً من آيات الله .
فلو جاء أحدهم وقطع الوردة وألصق مكانها وردة صناعية بعد أن غير تنسيق أوراقها وغيَّر عددها حتى ذهب جمالها الأصلي ، أفنقول إِن هذا تجديد ؟!
فشعر التفعيلة أَشبه بهذه الوردة التي تَغَيَّر عدد أوراقها كما تَغَيَّر عدد التفعيلات ، وتَغَيَّر تنسيقها ، وذَهب عبقها الأصلي ، كما ذهب في شعر التفعيلة النغمة العبقريّة التي بنتها آلاف السنين.
أفتكون هذه الوردة المصطنعة تجديداً،والوردة التي أنبتها الله تقليداً وشيئاً قديماً ؟ !
إن الشعر العربيّ نما بصورة طبيعية خلال آلاف السنين ، ترعاه سنن الله في الحياة كما ترعى اللغة العربيّة بجميع خصائصها ، حتى إذا نزل بها الوحي الكريم كانت قد اكتمل نضجها وبناؤها ونسيجها ، وثبتت جميع خصائصها نثراً وشعراً ، حتى يتيسّر للناس تدبُّر منهاج الله في جميع الأجيال وجميع العصور ، وحتى يتيسّر للعلماء اكتشـاف خصائصها الثابتة من نحو وصرف ، وبلاغة وبيان ، وعروض وبحور.
وكيف يكون اتباع هذه الخصائص في اللغة العربية تقليداً ، واتباع الغرب العلماني تجديداً .
إن التفعيلة والنثر تقليد لا إبداع فيه ، وتبعيّة لا تجديد فيها.
ولو أجزنا العدوان على الأوزان والقوافي تحت شعار التجديد ، لجاز عندئذ عند بعضهم المطالبة بتغيير أسس البلاغـة والبيان كذلك .
وهذا ما تطلبه الحداثة ، ولجاز كذلك المطالبة بتغيير قواعد النحو والصرف والأحرف والكتابة ، وهذا ما تسعى إِليه الحداثة ، وما يسعى إليه كثيرون بإلحاح.
إِنّ النصّ الأدبي حين يتولّد في فطرة الأديب المسلم بتفاعل القوى المغروسة في الفطرة حسب ما توضحه " نظرية تولد النصّ الأدبي"وحسب " قانون الفطرة
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]التي تخرج منه هذه النظرية ، حين يتولد النصّ على هذا النحو لا يمكن أن يكون فيه تقليد .
كل نصّ يخرج عندئذ كما تخرج الوردة على شجرتها.
الشاعر المسلم الذي ينشأ بين الكتاب والسنة واللغة العربيّة ، الشاعر الذي وهبه الله موهبة الشعر لتطلق التفاعل في فطرته ، تكون كل قصيدة عطاءً جديداً ، يظل يتجدَّد كما تتجدّد الوردة والزهرة والثمرة .
فكيف يكون تقليداً ؟ !
" التقليد " تعبير عن عطاء جاف ميّت لا حياة فيه ولا يتجدّد . " التقليد " تعبيـر عن عطاء لا موهبة فيه ، ولا يكون ثمرة تفاعل في ذات الشاعر أو الأديب.
قانون " الفطرة ونظريَّة تولّد النصّ الأدبي " يقومان على الآيات البينات والأحاديث الشريفة التي تبيّن لنا أن كلّ إنسان يولد على الفطرة ، وأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسانه.
وقد غرس الله برحمته وحكمته ميولاً وغرائز وقوى في الفطرة .
وأهم هذه القوى " الإيمان والتوحيد " ، وكأنّ هذه القوة تمثل النبع الصافي الذي يروي سائر القوى ريّاً متوازناً حتى تقوم كل قوة أو ميل أو غريزة بالمهمة التي خلقها الله لها .
فإن لم يتمّ الريّ المتوازن بسبب الآثام ، أوإذا انقطع بسبب ذلك ، فلا تقوم هذه القوى بمهمتها .
ومن ناحية أخرى فإن هذا النبع الصافي للإيمان والتوحيد يقوم بتصفية ما يدخل الفطرة من زاد الواقع الخارجي ، من علوم وخبرة وغير ذلك ، حتى يظل هذا الزاد في فطرة المؤمن نقياً .
والنيّة الخالصة لله هي التي تفتح نبع الإيمان والتوحيد ليروى القوى والميول والغرائز بالريّ المتوازن .
ومن القوى في الفطرة قوتان كأنهما قطبان هامّان هما : الفكر والتفكير ، والعاطفة والشعور .
وعليهما تستقرّ شحنات الزاد من الواقع ، كما تستقرّ الشحنات على قطبين مغناطيسيين .
وتنمو هذه الشحنات مع نموّ زاد الواقع ، حتى تأتي لحظة يحدِّدها قدر الله ، تصبح الشحنات على القطبين قابلة للتفاعل ، فتأتي الموهبـة التي يضعها الله فيمن يشاء من عباده ، فتشعل التفاعل ، وينطلق العطاء شعلة حيّة غنية على قدر صفاء الإيمان والتوحيد وإخلاص النية ، وعلى قدر الزاد الذي يكوِّن الشحنات ونوعه ومادته.
إن العطاء الذي يخرج من هذا التفاعل في ذات الإنسان لا يمكن أن يكون تقليداً ، لأنه غنيّ بالحياة التي تتجدّد مع كلّ عطاء.
إنه التجديد الممتد والإبداع الغني على قدر غِنى العوامل التي ولدته : الإيمان والتوحيد ، النيّة ، التفكير ، العاطفة ، زاد الواقع وأهمه منهاج الله ، الموهبة.
ولو أخذنا قصائد الشعراء المجيدين المبدعين قديماً وحديثاً ، ممن تخرج قصائدهم محافظة على الوزن والقافية ، لوجدنا أنّ كل قصيدة موضوع جديد ، وصورة جديدة ، وحركة جديدة ، إنها شيء جديد زادها الوزن والقافية لألأة وجمالاً ولذلك جاءت قصيدتي:
لآلـئ الشعر أوزان وقافيـة
التقليد مهمّة من لا يملك عناصر العطاء المتجدِّد ، العناصر التي تولّد عطاءه وتطلقه من ذاته ، نابعاً من ثوابت عناصره وزاده ، من جذور عميقة في الفطرة ، لا يشوّهها ولا يحرفها . المقلّد هو من لا يملك إلا أن يبحث عن هذا وذاك ليقلّده ، أو عمّن يظنهم الأقوياء فيخدع بهم حتى يكتشف أنهم المنحرفون الضالون المجرمون ، فيُشغَـل بقشورهم وزخرفهم الكاذب ، ويخفون عنه جوهر القوة وحقيقة الإِبداع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) -" الأدب الإسلامي إنسانيته وعالميته ": الباب الثاني ـ الفصل الأول. " النهج الإيماني للتفكير" الباب الرابع ـ الفصل الثاني.